حزنٌ شفيف .. و زقاقٌ ضارب في الصمت ..!
كتبهازينب الليث ، في 11 يونيو 2007 الساعة: 01:40 ص
كنا نتصارع فوق اسفنجة " منامة قديمة " والبشر يعلو وجوهنا …
كانت إحداهن تدغدغني و الأخرى تبحث في جيبي عن علبة علكة …
ضحكت حتى آلمني بطني من شدة الضحك … هكذا أنا و بنات أخوالي و خالاتي .. عندما نُجمع بغرفة واحدة ، فانها تكون داراً للمجانين ….!
أخرجت زينب صورنا عندما كنا صغيرات نلعب بالرمال و جدائل شعرنا ترقص فوق أكتافنا ..
فأخذت أطالع نفسي و أضحك …
صورة آكل فيها الأرز مع الطماطم ووجهي " تحفة " !
و أخرى أعضها فيها في كتفها تمثيلاً و هي تضحك …
وثالثة أحتضن فيها ليلى في المدرسة وهي تصرخ !
أخذت الذكريات تنهال علي ماءاً عذباً …..!
و ابتسمت ابتسامة فرحة وحمد … لأنني وجدت بينهم الرفقة الأحلى والذكريات الأغلى !
أذن الأذان فصليت ، وبعدها خرجت متوجهة لبيت جدي …….
و ما إن وصلت حتى استقبلني خالي عن الباب قائلاً : منذ متى و أنا أنتظركِ …
فقلت بوجه مدهوش : تنتظرني … ؟؟ أجاب نعم .. هيا أريد منك خدمة …
خدمة ……؟؟؟ وما هي …. فقال نعم .. أرجوك لا تخذليني …
تفضل ، سأفعل ما أستطيع … قلتها ونفسي أسئلة كثيرة …!
سحب يدي و قال هيا بنا .. لم أكن قد خلعت حجابي وعباءتي ….
خرجت معه و أنا أنثر الأسئلة … ما تريد ….؟؟ إلى أين ….؟؟؟
لم يجبني على أي منها … وقفت غاضبة …. جنون أن أسير دون وجهة !!
جنون ما بعده جنون … !
قل لي ما تريد وبعدها أسير معك …. أما هكذا فجنون !
ابتسم ثم قال : أرجوكِ …. نحن في الشارع و طلبي مستعجل … وشرحه يطول …
أرجوكِ سيري .. انظري للناس من حولنا ، هل أقف شارحاً لك الأمر هنا ؟؟
أقنعني رده … لكني كنت ضائعة … في بحر لجي تغشاه الظلمات !
كان حاملاً مظروفاً في يده … مظروفاً أصفر ….!
تساؤلاتي كأمواج معتركة تقذفني بين بعضها .. أنا القارب الصغير …!
كان يطوي الدروب و أنا خلفه سائرة .. لا ألوي على شئ سوى الإمعان فيه و بما يحمله …
التوى الدرب لزقاق مظلم …أخذت تلعب الهواجس برأسي …
ناديته .. ناظرة لقصته الفرنسية .. و بشرته الشاحبة بسبب "السكلر" اللعين ..
لست خروفاً يقاد دون أن يعي … نظرت إليه شزراً …!
صمت .. كاد يبتسم .. لكنه أخفى ابتسامته ..
فنظرت للسماء مستجدية …و قلبي يكوى بنار الحيرة ..يبدو أنه لن يجيبني .. كانت أرضية الزقاق بليلة "مبللة "… يبدو أنها دروب الأرض السفلية .. تحمل الخَبث … رائحة المكان أشعرتني بالغثيان … !
مر رجل تلتف حول رأسه الكوفية … فأوقفه .. إقتربت علي أعرف السر الذي قادني به إلى هنا …
لم أسمع شيئاً … إلا بضع كلمات … أين بيت الحاج ………….!
أصبحنا ثلاثة …!
الرجل الأشيب يتقدمنا بخطوات متأنية .. ناظراً للمصابيح المكسورة .. والجدران المليئة بخربشات الصبية … وشعارات تختزل وضع البلاد المحترق !
عضضت شفتي السفلى تبرماً وضيقاً … فكرت بنفسي .. حائرة .. لا تعرف أين تسير … و إلى أين هي متجهة !
و بعدها توقفنا عند بيت مغروس في الأرض و النوافذ تصل للأرض … الباب كان صدئاً وشبه مفتوح … و الضوء يتسرب من البيت و الجزء المفتوح للظلمة التي كنا نمشى بها ..
ما به … نظر إلى الرجل الأشيب … ثم قال مبتسماً محاولاً صرفه رحم الله والديك …
أجاب : ووالديك .. ولم يغادر ..
بدا خالي محرجاً .. فثمة قول يتعثر في شفتيه أمام هذا الرجل !
طرق خالي الباب ..
فخرج صبي حلو السمات ، تبدو في عينيه النجلاوين نباهة و حزن دفين !
سأله عن صاحب المنزل ليتأكد من أنه المنزل المقصود … وبدا لي أن الرجل يريد أن يتأكد أنه أكمل خيره و أوصلنا لبغيتنا حين غادر … عندها سأل خالي الصبي الواقف صامتاً ينتظر معرفة ما نريد : هل هنا أختك .. مريم … ثم أعطاني الظرف .. انسدل الصبي داخلاً لينادي المدعوة باسم مريم …وترك الباب مشرعاً على آخره ..
لكن خرج الصبي باسماً .. بسمة تحتوي الألق في ثغره … قال هي تنتظركِ بالداخل … دفعني خالي و شدَ على يدي التي تضم الظرف " السر " …
دخلت …. كانت نخلة تنتصب وسط الدار .. وتحني جدائلها فوق سقوفها …..
مشيت كالتي فقدت إرادتها ورائه…. و هدأت عواصف الحيرة داخلي !
ثمة سكون غمرني … ظللت أمشي بأناة و أسحب أبرادي بلطف … وصلت لغرفة ككل بناء ذاك البيت … تكاد تسجد لفرط قدمها ….أشار إلي " أن أدخلي " و الثغر لا يفتر عن التبسم !
كانت رجلاي ثقيلتان ……. يا ربي فلتمض ساعاتي القادمات بخير ….!
دخلت ….. ويا للدنيا ….. لما رأيت ..!
بعد ثلث ساعة خرجت باكية .. وجهي محمر لفرط ما سكبت من دموع غزار … ولعظم شهقاتي …!
و كان خالي فاتحاً عينيه حتى آخرهما … ما بكِ … أتبكين …..؟؟
ظللت صامتة … ودموعي تساقط غزاراً غزاراً …. مشيت .. و ظل يسأل و أنا لا أجيبه إلا بإشاحة النظر عن وجهه و حث الخطى بالسير …
تقدمني …. و صار يتبسم …. وعندما وصلت لبيت جدي .. وضعت رأسي فوق وسادة في جانب من " الحوش " و أشعلت دعاءاً يتلألأ مع قدسية ليلة الجمعة و أخذت أتلو نشيجي مُبللة الوسادة بالدمع !
و حينما أخذ التعب و الحزن مأخذه مني …. نمت !
و ما أن إلتفت إلي حتى بادرني ممازحاً : هل ضربتكِ حتى تبكين .. هل لي أن أعرف … و ابتسم ناظراً لي بإلحاح …
بقيت صامتة … نظرت لوجهه و ابتسمت قائلة : لماذا لم تخبرني من البداية .. كادت تذبحني الظنون !
صمت مبتسماً .. ثم نظر لسطح البيت … وكأنني أخجلته بما قلت !
قالت و بلهجة لا تخلو من حنية : أأمري …. أعطيتها الظرف … فتحته …. و أخرجت منه عدة وريقات لفئات نقدية كبيرة …. أعادتها خجلة للظرف على عجل … عرفت الأمر … هذه مساعدة لها وهي محتاجة بالتأكيد لها !
تحدثت وعيناها تنطقان بالألم .. لم يخيبني الله …. بعث لي فرجاً و أنا الفقيرة له …. و فجأة احتضنتني بقوة …. بكت بشدة … وحين بكت على كتفي بكيت كما لم أبك من قبل …!
أحسست إني ضعيفة أمام نقائها …. مقابل صبرها !
و حين توجهت للباب … وجدت الصبي واقفاً جنبه .. وفي عينه دمعة تأبى الإنحدار !
كانت الفتاة يتيمة أوقعها الزمن في عوز لمرضها … ولوجود صغار تحت كنفها …. !
و كان خالي لا يود أن تعرف من أرسل لها هذا المال !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اشتياقات لا تُرمى ! | السمات:اشتياقات لا تُرمى !
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























يونيو 11th, 2007 at 11 يونيو 2007 10:27 ص
كلمات رائعة بحق، جعلتني أعيش بينها، حتى إنني حبست أنفاسي لحظة دخولكِ لمريم في الغرفة التي تكاد تسجد من شدة القدم.
شكراً لهذه الأحاسيس المفعمة بالحياة، أسلوب قصصي رائع.
زينب الليث ….. كم أسعدنا التعرف على “موطني البحرين … و الشعر بحر ثالث !”
تحياتي
يونيو 11th, 2007 at 11 يونيو 2007 2:16 م
تستفيق الذكريات فيَ يا رباب …
فأسردها .. بتصرفي .. حكايات حكااايات .. قد أسردها يوماً لأحفادي .. !
حضوركِ أيتها الجميلة أوقظ غفوةً بائسة في هذا الصباح ..
أسعدني أن أجد خطاكِ هنا ..
تستريح في قلبكِ النرجسات ..
… كوني بخير ..
يونيو 17th, 2007 at 17 يونيو 2007 10:03 م
هنا تنصتُ زينب لهديل الحمامْ… تتأمَّل…
تتكسر الأمواجُ على جسدِ اشتياقاتها البضِّة…
تُجلس القمرَ الطازجَ معها في ركنٍ للحزن الشفيف…
تسابق حكاياها الأزمنة والمواقيت… نجوماً لا تأفل… وإيقاعاتٍ لا تغيب…
تتدحرجُ مشاهدٌ تتخللها مفاتن الفرح وأخرى يستوعبها صديدُ الوجع…
عن روحٍ تناهز العشرين…
تحفظ القصائد عن ظهر قلب…
تكتنز حلاوتَها… تتذوقها شايً وقهوة…
تؤرخ ما انتابها من مشاعر متشابكة…
تعددت المشاعر والحب واحد…
ثمة جرارٌ تترقبُ الكسر…
نايٌ ينزف اللحن…
شلالات عارية…
وشمسُ… تشيِّع العتمة لمثواها الأخير…
زينب الجميلة… الممعنة في الهذيان…
أي الورودِ تدسِّينها في شقوقِ الرواية… ؟!!
وأي العبراتِ تكفكفين… ؟!!
من أين لكِ كل هذا الـ “غير عادي” ؟!!
ضرِّجي أعمارنا المنهكة بالدفء…
رتبي عظامَ صدورنا على هيئةٍ لا تشبه الزنازن…
لك اللجينُ والألق..ز
سنظل نراوح قريتكِ البهية كلما اقتربنا من حوافِ الشوق…
أورِدتي: مجتبى عبدالمحسن “إنَّ اللقاءَ وشيك”
يوليو 1st, 2007 at 1 يوليو 2007 8:48 م
زينب الليث :
جميلة هذه المشاعر الإنسانية التي نسيناها أو تناسيناها عن قصد أو بسبب زحمة الحياة و اكتظاظ الرأس بالهموم اليومية أو ضيق ذات الحال .
إن ما شدني للتعليق على هذا العمل هو أسلوبك الجميل المترابط في السرد , فقد جعلتني أقرأ العمل حتى الآخر لأعرف العبرة .
إن عدم بوحك عما يوجد داخل تلك الغرفة ولا عن سبب بكائك و دهشتك حتى آخر العمل خلصه من مطب أن يكون كل ما بعد ذلك حشواً فائضا ً فيما لو سار العمل بتزامن مع الأحداث .
دمت بخير
صهيب حسين
يوليو 4th, 2007 at 4 يوليو 2007 7:37 م
مُجتبى ..
طاهر الروح ..
هي المواسم لا تزدهي إلا بك ..!
أوقن بعدَ كلِ حضورٍ لك .. أنكَ متفرد بالكثير .. الكثير ..
سيماء الورد .. نافورةٌ في كلماتك ..
و أمعن في أروقتك ..
كُن بالقرب ..
مع الود .. و الورد ..
زوربا ..
يوليو 4th, 2007 at 4 يوليو 2007 7:51 م
صهيب ..
عابرٌ جديد ..
تحتفي بكَ السموات أيها الفاضل ..
هي حكايات نقتصها من زوايانا ..
من منا لا تعبره القصص كل يوم ..
الفائتة منها … و التي ستفوت ..
نحتفظ بالخلاصات حتى النهاية أحياناً ..
ليستمر الآخرون في الاستماع .. و القراءة ..
خالص التحايا أخي الكريم ..
أكتوبر 5th, 2007 at 5 أكتوبر 2007 12:39 م
كم هي رائعة هذه القصة وكم هي اروع سردها
فقد كنت اقراء بلهفة سطراً بعد سطر لتشوقي لحل غموضها
وكم جميلاً ان نجد في زماننا من يتذكر اخيه او يفكره به ليساعده..
سلمت يداكِ
مودتي وتحياتي..
أكتوبر 18th, 2007 at 18 أكتوبر 2007 9:02 ص
عندما يفكر الرجل ..
الرواية الأجمل لخولة قزويني ..
جميلٌ أنكَ عبرتَ/عبرتِ .. هنا ..
في كل زمن .. يوجد البياض .. كما السواد ..
ياسمينة ناصعة هذا الحضور ..