موطني البحرين ... و الشعر بحر ثالث !

"أصور" كل انتهاء يفـــــــــــيض و" أرسم " في جسدي غنـــــــــــــوتي أطرز ليلي بـ" نقش القـــريض " و"أقرأ " ذاتي بمحـبــــــــــــــــــــــرتي ! هذه شط لتلاوات ذاتي .. بعثرتي الشعرية .. رسوماتي الخربوشية .. التقاطات عدستي .. تصاميمي المجنونة ..! و بعض الوحي .. و العشب !

الخميس,تشرين الأول 25, 2007


ككل يوم مدرسة أول .. اختارت كل طالبة مقعدها ... وكنت في العمود الثالث ..
طبيعتي الاجتماعية لم تتأن في التعرف على زميلاتي ، أخذت أجاذبهن أطراف الحديث ... ولكن بخجل و حياء !
جالستان ورائي ... بشاشتهما جعلتني أستطيب الحديث معهما .. كانتا طيبتان لحد لا يصدق !
كان أول يوم لي في الإعدادية ...
خرجنا معاً تلقائياً وقتَ الفسحة .. وكأننا قررنا أن نكون صحبة بدءاً من هذا اليوم !
كنا صادقات مع بعضنا .. ككتاب مفتوح أخذت أحدثهن .... أحياناً تلتقي الأجزاء النقية ... فتكون وحدةً نقية

 !
نسينا أن نأكل في غمرة أحاديثنا المترعة بالفرحة و نشوة من وجد ضالته بعد عناء و كَبد !

لكن الجوع أبرحنا ... في آخر حصص الدوام المدرسي وتمنينا لو كنا أكلنا و لو القليل ...
في اليوم التالي ذهبنا للمقصف سراعاً .... و لما طلبت منهن أن أشتري لهن أنا .. فلا داعي لأن ندخل كلنا ... ، قالت انتصار وهي تحمر خجلة : لا سأشتري أنا ... ألححت : فأعطتني نقودها و كذلك زهراء !

لم يكن ما أعطتنيه انتصار كثيراً ..

لذا كانت خجلة ... سألتها ما تريدين فأجابت ... قلتُ ضاحكة : وأنا كذلك ، كنت أريد التهوين عليها ، فلا شئ بيننا يستحق الخجل ... نظرت لي زهراء مبتسمة ورددت ما قلت !

اتحدنا نحن الثلاث مع مر الأيام عرفت كل شئ عنهن وعرفن كل شئ عني ..... كبرنا معاً ... ونحن نقتسم الفرحة و حتى الوجع !
إيــــه .... لازلت أتذكر كل لحظة أمضيناها في العراك والنقاش والضحك حتى الإستلقاء على القفا ... كل لحظة أمضيناها في البكاء من قهر الضغط الدراسي معاً و كأننا نقيم مأتماً ...!

كانت إنتصار كالزهرة بيننا كما كانت لإخوتها .... تعرضت أمها لحادث أعاقها و أقعدها .. وكانت انتصار المنقذة ... تطبخ الإفطار و الغداء قبل أن تأتي للمدرسة وكم كانت تأتي متأخرة أحياناً ... ثم تعود لتغسل الثياب والأواني ... و تكمل ما تبقى من كي ..... و ترتيب الثياب ............و ربما ساعدها أبوها و أخوتها في شئ من ذلك !
كنا نعلم أنها لا تكتب كل واجباتها لهذا .... و كنا نعلم أن الذي جعلها تخسر سني عمرها في إعادة سني الدراسة التي خفقت فيها .. ولولا ذلك لكانت على مشارف الإنتهاء من المرحلة الثانوية !

أصبحنا نعي بعضنا جيداً .. نعي البسمة التي تخرج صادقة من ثغر إحدانا .... كما نعي البسمة التي تخرج مجاملة لا غير .... نعرف إن كان هناك ما يعتلج في صدر واحدة منا ....!

أصبحت أسرهم أيضاً قريبة مني .. فلأجل عين تكرم ألف عين ....!

مضت أيام الإعدادية سريعة الخطى ... ربما لأننا أحببناها لوجودنا في انصهار نادر يسمى الصداقة الحقة ، كنا نساعد انتصار بقدر ما نستطيع .. وكانت هي تتحمس للبذل من أجلها .. ومن أجل بقائنا معاً ... !

وصلنا للثالث الإعدادي المرحلة التي تؤهلنا لدخول عتبات الثانوية .... كنت أرى في عيني إنتصار سحابة أسى ... وكانت زهراء تستشعر ذلك معي ... لم نكن نعلم ما سبب ذلك ... وقررنا أن نتركها هي من تتكلم متى بدا لها ذلك ...

لم تكن لتقول ما كان بها .... لولا أننا رأيناها تمسح دمعة من عينها و هي تلبس عبائتها عند إنتهاء الدوام المدرسي ... اتجهت نحوها و قلبي مضطرب ... أتبكين يا إنتصار ؟
... تبسمت ... قالت زهراء الواقفة بجانبها : انتصار ليس هنالك ما يستحق دمعاتك فسقطت دمعة غزيرة سرعان ما مسحتها بمنديل .... كدت أبكي .. أعلم أن هناك سر يجعلها تبكي ... رغم كل شئ حاق بها هي صابرة .... و الآن تسقط دمعتها غزيرة دون أن نعلم ما بها ، لن تبكي إلا لأمر فاق قدرتها على الإحتمال والتصبر !
نظرت إليَ زهراء نظرة أعرف ما تعنيها ... فلنأخذها خارجاً .. فليس الصف مناسباً للحديث معها ...
لبست عبائتي وخرجنا نحن الثلاث .. كلٌ تحمل حقيبتها و هَمَاً كان لإنتصار ...!

وقفنا صامتات عند الدرج .. وكأن على رؤوسنا الطير ....، زهراء و أنا ننظر لها .... ننتظر أن تقطع صمتنا ... تسكن روع نفوسنا ...

لم تتحدث بل راحت في بكاء شديد قطع نياط قلبي ...

جلسنا تحت سقف الدرج .. وأخذنا نحاول أن نعرف ما أصابها ... فجأة هدأ بكاءها و أمسكت يدي وشدت عليها .... و أمسكت باليد الأخرى كف زهراء ... بدا جلياً أنها ترتجف ... نطقت زهراء بابتسامة حزينة : انتصار .. ما بالك تبكين ؟ أنت الأقوى بيننا ... وتبكين هل لنا أن نعرف ما بك ...
ابتسمت وعيناها غارقتان ببحر من شجن .. قالت محاولة الوقوف : لاحقاً أخبركم ... لم تستطع الوقوف فسقطت ... أخذت تبكي بصوت أنين لا يفتأ يشق عباب ذاكرتي ... تشنجت قدماها .... فقلبها كان ضعيفاً و هذا يؤثر على دورتها الدموية ... ذهبت زهراء لإستدعاء المشرفة .. فلربما تمكنت من إسعافها .... لم يكن هنالك أحد فقد خرجت المشرفة بعد انتهاء دوام عملها ...

حملناها و بعض الزميلات لسيارة والد زهراء .. وأوصلتها إلى بيتها ....!

و دعتهم و كلي لديهم .... أخذت أرجو الله إن لا يكون مكروهاً قد مسها ....!

وصلت البيت مثقلة القلب ... مصدعة الرأس .. واهنة الخطى ...

صليت فريضتي و أنا باكية ... باكية لروح نقية طاهرة ... إختارها الله للبلاء .... ربي فلتساعدها .. و لنكن نحن يد عونك !

لم أطق تذوق لقمة لما في فؤادي من غم وحزن شديد .. حتى انني لم أغير زي المدرسة لفرط إنشغال بالي ...
جلست فوق طاولة غرفتي ... مستندة على الجدار الذي تجاوره ... وعيناي تنظران للبعيد .... بعد بيوتات القرية تكمن هناك عزيزتي إنتصار .... رن جرس الهاتف ... فهرعت تلقائياً له وكأن جنٌ مسني ..!

ياللأسف ... لم تكن تلك المكالمة لي بل لأخي ... ما أن أغلق أخي الهاتف .. حتى عاود الرنين .. عدت أنا كذلك بهدوء أكبر .. كانت زهراء .... سلمت علي ثم صمتت ...سألتها عن حال انتصار ، أجابت أنها لا تدري ... ثم أضافت ... اتصلت الآن لها و قالوا أنها في المشفى ... فهي بحاجة لكمية " دم " قد تصل لكيسين ...هذا ما قالته أمها لي ... قلت و كأنني أحادثها كما أحادث نفسي ما الذي جعل صحتها تتدهور هكذا ... ؟

أجابت و كنت أضمر كا تقول في نفسي .. صحتها تدهورت لــُملِمة ألمت بروحها .. ولكن ما هي .. الله يعلم بها وحده ....!

ليتني أملك من يقلني لها ... لم تكن زهراء تتمكن لنفس السبب من الذهاب إليها فدوام أبيها يتعارض مع أوقات الزيارة .... لو كانت إحدانا تملك وسيلة الذهاب لإنتصار لتمكننا معاً !
كنت وزهراء نتحادث طويلاً .. والحزن والقهر يملأ أرواحنا .... و أحياناً نتصل لمنزلها .. عسانا نجد ما يشفي القلق المستبد بقلوبنا .. لكن هيهات .... كانت تزيده هواجس أمها و ما تقول ....!

أخيراً في اليوم الخامس من مكوثها في المستشفى .. تمكننا من الذهاب ... فوالد زهراء تمكن من أخذ رخصة خروج وقتية من العمل ... وبعدها سيرجعنا خالي ...!

حملت زهراء باقة ورد صنعتها بيديها من حديقة من منزلنا ... وحملت قرآنا .... و بعض الشطائر لها ... تقول أمها أن خالها و فاعل خير تبرعا لها بكمية الدم المطلوبة ... وقد تحسنت حالتها الصحية كثيراً ... لكنها فاقدة للشهية ..

كان قلبي يطير على جناح من شوق .. وأحسست أن زهراء تشاطرني الشعور ... تشاطرنيه حقاً !
لما وصلنا كانت تنتظرنا فوالدها أخبرها أننا سنأتي .. كنا قد اتصلنا لنسأل عن رقم سريرها والجناح الذي ترقد فيه ..

لما التقت عيناها بمقدمنا استبشرت قسمات وجهها الأسمر الصغير .. احتضنتني بقوة .. ثم احتضنت زهراء ..

ثم قالت عاتبة : انتظرتكم طوال أربعة أيام ... والآن تأتون حاملين كل شئ !
ضحكنا و كدت أنسى إنني قد قررت مع زهراء أن نعرف ما حاق بصفاء صبرها ... وكدر قوة احتمالها !

فجأة .. جاء الممرضة .... قاطعة حديثنا : لقد قرر الدكتور أن حاجتك للبقاء في السرير إنتهت .. صمتت انتصار .. وتبدلت بسمتها لتقطيبة هادئة كروحها ...!

ما أن خرجت الممرضة حتى خرجت أزف البشرى لأبي انتصار ... انتصار حصلت على الرخصة ... و لم أكمل جملتي حتى علا صراخ ونحيب .. أكملت ما كنت أقول لأبي انتصار الرجل الأشيب الذي ما ترك الزمن فيه قوة جسد ولا روح دون أن ألتفت للصوت الصادر من غرفة انتصار .. ففيه أخريات ترقدن على فراش الموت !

ما أن صمت حتى عرفت بكاء من هذا .. كانت تكرر باكية منتحبة لن أذهب للبيت ..!
دخلت الغرفة وورائي من كنت أحدث كانت عيناه مغرورقتين بالدمع ..

مِن غسل وجهها بالماء وقراءة آيات من الذكر الحكيم عليها ... هدأت .... و لكن بدأ أباها بالبكاء بعدها ... قال و تجاعيد وجهه الطيب بليلتان بدمع أحسبه حبسه لسنين طوال : ما بيدي حيلة يا ابنتي ... حملناك المسؤولية صغيرة .... و حُملنا شظف العيش صغاراً و كباراً !
خرج ناحباً .. ونشيجه ذكرني بنشيج الميازيب في مواسم الإمطار !

عندها عادت انتصار لحالتها الهستيرية و أخذت تقول ... ليس ذنبك يا أبي ... أنه هو ... يريد أن يشري عرضي بثمن بخس !
كانت إنتصار ترتجف و وجهها ينضح عذاباً ... والكلمات الـ ـتخرج من بين شفتيها ضاعت وسط بكائها ... عندما يجتمع النشيج مع الكلام ... يصبح لغة يفهمها كل أحد !

هدأناها ... فأخذت تبكي بصمت ... حتى نامت لتعبها .... كانت عيناها النجلاوين الواسعتين مغمضتين بألم ...

خرجنا بعدها من الغرفة ..لترتاح إنتصار .....و لعلنا نجد أباها ونرى ما حل عليه ... وجدناه عند مقاعد المصاعد جالساً ... واضعاً كفه على جبينه و عينيه ....

ناديته بنداء العمومة .. عمي ... إنتصار لم تكن تقصد شيئاً .. أجاب و يده كما هي .. و ماذا تقصد إذا ...؟

لم يكن قد سمع ما قالته مؤخراً .... أجبته ناظرة للوحة المصعد التي كانت توضح لي أنه ينزل للطابق الأرضي .. " لم نفهم ما قالته تحديداً .. لكنه شخص يسئ لها ممن يقرب لكم ربما ..." ...

صمت وفي عينيه ألف خلجة حزينة ....

ثم قال بهدوء .. والآن ..؟ لمَ تركتماها ..؟

أجبته بهدوء وابتسامة حزينة .. إنتصار نائمة ...

أضافت زهراء : لم لا تأخذ أغراضها للمنزل .. وحين نعود سنأتي بها ...

صمت و بدت في عينيه الموافقة .. ولكنني أحببت الإطمئنان لموافقته .. فقلت : ما تقول .... ؟

فهز رأسه مبتسماً رغم لغوب الأبوة ... لملمي أغراضها وهاتيها ...

ذهبت مع زهراء ولملمنا حاجياتها ...

و كان واقفاً عند الباب عندما خرجت .. فأخذها بيد أرعشها العوز و التقدم في السن ...

أعطته زهراء الأغراض الأخرى فقال لها مبتسماً بسمة لا تخلو من حزن ... سآتي لها بعد قليل ... فظهري لا يتحمل حمل كل هذا ...

اقتسمت مع زهراء الأغراض ومشينا خلفه دون أن نعلمه أننا سنحملها معه ... و لما ركبنا المصعد نفسه .. رآنا فابتسم وكادت دمعة تسقط من عينه لولا أنه مسح كلتا عينيه بكفه السمراء المعروقة ...

كانت سيارة قديمة منهكة ... و يبدو أنها بقيت لأمد غير قصير لديهم ... وضعنا الحاجيات على المقعد الخلفي .... و ما أن هممنا بالرجوع إلى المستشفى حتى استوقفنا صوته الملئ بحنية الأرياف ... لحظة يا بناتي .. عندما طالعناه ... نطق و أسى وجهه لم ينطفأ رغم تبسمه ...لولا إنني إعتبركما أخوات لإنتصار لما تركتها هنا ...

صمت برهة و نظر للمستشفى ثم استطرد ... أستودعها الله و إياكم .... ركب السيارة مودعاً إياناً و قفل راجعاً لبيته الذي افتقد ضحكة انتصار ... !

جلسنا و كأن على رؤوسنا الطير !

صمت نطالع فيه بعضنا ... زهراء و أنا ... ثم نرقب وجه انتصار ...!

الوجه الذي ألفناه باسماً .. نجده راقداً على وسادة بيضاء بلون قلبها .... مغموراً بألم لم نعهده فيه ...

لم أعد أتحمل زحام الأفكار بتلك الغرفة .. أحسست هواء العالم ينفد ... ينفد .... أخذت هاتف زهراء وخرجت ...

أخذت أتجول بأقسام المستشفى مشحونة بالحزن ... بالحيرة والفضول لمعرفة ما بإنتصار .... انتبهت ليدي التي تحمل الهاتف .. أخذته لأتصل لخالي و أؤكد عليه انتظارنا له ورغبتنا في مجيئه ... فربما أنسته المشاغل ذلك ...

اتصلت له وكان قد نسف معظم المسافة الينا ...

هو قادم إلينا .... ما دام كذاك فسأعود أدراجي ... عدت لأجد زهراء بالخارج ... ما إن إلتفتت لي حتى وقفت ماشية لي ... هناك عمة إنتصار وزوجها و بناتها .... كانوا في زيارة لإنتصار ... قلت لها .. هل يعلمون بأمر الرخصة ؟ فردت متضايقة : لو كانوا يعلمون لما جاؤوا ...

ابتسمت لها .. زهراء ما بك تعاملينني و كأن لي يد في ما يجري ... مثلك أنا أتقلب في التساؤلات والخوف على انتصار ... ابتسمت ابتسامة شابها الحزن والأسى ...
ثم نطقت بالتأسف صادقة ,

صمتنا هنيهة .. ثم استطردت زهراء .. إذا أعلمتهم إنتصار بأمر الرخصة فسيأخذونها معهم ... ولن تتمكن من الرفض ...

دخلت دون تفكير للغرفة ... و عندما رأتني إحدى بنات عمتها أشارت على أبيها بالخروج فخرج سريعاً ... سلمت عليهن وما لبثت حتى دخلت زهراء و أخذت تحادثهن فلها معرفة بهن ...

دنوت من إنتصار و تلوت عليها ألا تخبرهم بأنها أخذت الرخصة ...

فهمت إنتصار ما أرمي إليها دون جهد مع إنني قلته بكلمات قصار ...!

و ما أن خرجوا حتى جاء خالي .... لملمنا ما تبقى من حاجيات إنتصار ... و ذهبنا للسيارة فبيت زهراء ...!

فغرت أم عبد الله " أم زهراء " فاهها عجباً لرؤية إنتصار ... فما علمته إني سآتي اليوم ... و هالتها أكثر ملامح إنتصار المتجهمة ونظراتها الساهمة !

دخلت زهراء الغرفة ساحبة بيدها إنتصار ... و بقيت أنا أحدث أم عبدالله ... ففي عينيها كان خوف على إنتصار التي عرفتها ... و تساؤلات كثيرة ... أجبتها بما كان وما جرى !

لما دخلت الغرفة كان صوت الأذان ينطلق رقراقاً سائباً ... يداوي القلوب المتعبة بذكره ...!

نظرنا لبعضنا تواتراً و كأننا نؤجل الحديث .... هيا للصلاة .....

للصلاة في الظروف الحالكة وقع أحلى على النفس من أي وقت آخر ... و هذا ما جعلني أستلذ السجود راجية أن يخرج إنتصار مما هي فيه ...!

بعدها جلسنا بغرفة زهراء ... استلقيت على " جلسة مبسوطة أرضاً " و كانت بجانبي إنتصار تطالع كتاب الجغرافيا ... أشرت على زهراء بأن تنضم أمها إلينا ... كي نكسر ذلك الحاجز ... حاجز الصمت .. فأم عبد الله إمرأة راجحة العقل .. سديدة الرأي رغم أنها أمية .... إعتقدت واثقة أن وجودها سيعطينا الثقة لدفع إنتصار للبوح !

جاءت زهراء بعدها ... و قمنا نتحدث عند المدرسة و عن إفتقادنا لها .. وعما جرى من زميلاتنا و المدرسات لقاء غيابها ... كانت زهراء تذكر سلام هذه و تلك ..... و قمت أستذكر وزهراء لها كم كانت المدرسة ثقيلة بلاها ...بلا ضحكتها الهادئة على فوضويتي ومشاغبتي .. ثقيلة بلا عراكها الحبيب معنا !

دخلت أم عبدالله ... فجلست ببطء مسندة رأسي على " مسند " وضع خلفي ...

جلست على سرير إبنتها .. وأخذت تحادثنا .. ثم أخذت تركز الحديث على إنتصار شيئاً فشيئاً .... و تسألها عن أمها و إخوتها ..... !

إلى أن وصل الحديث لمرضها ... عندها صمتت ... قالت أم عبد الله و حديثها امتلأ بحنية الأمومة .. إنتصار ... لقد تحسنت صحتك و الحمد لله .. ولكن لا يزال وجهك ينبئني بأمر يعيث حزناً بداخلك .. و أنتِ عزيزة عليَ كزهراء ... و ........ فهلا جعلتنا لا نقلق عليكِ ...

عندما أحنت إنتصار رأسها مطرقة و الدموع تكاد تبلل وجنتيها ....

قالت بعدها و صوتها انخرط في تهدج و نشيج : جارنا .. يريدني أن أسلمه جسدي بدراهم معدودة ..... يالبني آدم .. يحسبوننا نرى المال كل شئ ... ألفقرنا يذلوننا ؟

عندما ترى قلباً تحبه يتألم ستحس بالألم في قلبك ماكث ....!

خرجت زهراء ... فلم تستطع إخفاء دموعها .. أما أنا فكنت أغالب البكاء مغالبة .... و لما كادت تهطل من عينيَ دمعة .. نظرت إلي أم عبد الله و كأنها تقول ... هوني عليكِ فبكائك سيزيد الطين بلة !

و ما إن عادت زهراء حتى إسترسلت إنتصار في الحديث و قد تغلبت شجاعتها المعهودة على الحزن الرابض صمتاً بأعماقها !

و كان ما عرفناه أن الذئب الذي يلاحقها رجل خمسيني ... متزوج و له من البنين والبنات ممن يكبرون إنتصار .... يطاردها ما أن تخرج للمدرسة .. وحتى حين دعوتها تعود مسرعة الخطى خوفاً أن تروح ضحيته ...

لكان أشيب الشعر لو يكن يصبغ شعره متصابياً !

كانت عيناها تقطران الحزن .... و شفتاها تتعثر بينهما الكلمات ... !

ونحن في حيرة شديدة .. سألتها زهراء .. لمَ لم تقولي لنا ... أو حتى لأباكِ أو أمكِ .......؟؟

صمتت و في عينيها دمعة تأبى الإنحدار .... ثم قالت و هي تزوي ما بين عينيها ... ما بغيت أن أقلقكن بشأني .. و أبي ... !
أبي يكفيه رؤية أمي على حال كتلك الحال .. مسجاة تسحب جسدها سحباً .... يكفيه ضغطه الذي يتأرجح بين الهبوط و الإرتفاع !

صمتت " أم عبد الله " ثم قالت و هي تحمل هاتفها بيدها .... سأتصل لأبو عبدالله ...... اتصلت له وكان أن قالت له ما حاق بانتصار !

جاء أبو عبد الله ... و في صدره نية و عزم بيتهما .... سيترك إنتصار تذهب للمدرسة .... وسيلحقها هو و إبنته زهراء .. و حينما يقترب منها ذاك الوقح ... سيكون في خبر كان ....!

في اليوم اللاحق ..... جاءت انتصار و على وجهها بوادر إرتياح.... ربما لبوحها بما يختلج في صدرها ....مضت الحصص و نحن نحاول أن نجعلها تتخطى محنتها .. وتستوعب ما فاتها من دروس ... لم نكن لنترك لها فرصة لتذكر الأمر ...!

و لم تعلم بما قرره أبو عبد الله .. والذي كنا نعلم نحن به .... في آخر الدوام مشت إنتصار و خلفها سار أبو عبد الله بسيارته .. ومعه زهراء .... كان أبو عبد الله من الرجال الذين تضاء وجوههم بالإيمان ... بسيط في تعامله ... يعمل كحارس في إحدى المستشفيات .... و كمقاول خارج دوام عمله !

بعد أن صليت فور وصولي للبيت ... وضعت أمي مائدة الغداء .... لم تكد يداي تحملان لقمةً إلا بمقدار قليــــــــل .... و كأنني كنت آكل كما يأكل العصفور ...!

رن الهاتف ... فهرعت عليه وجلة .... كانت زهراء تضحك بشدة .... و تقول .. فاتكِ ذاك المنظر .... لما رأيناه يقترب منها .... نزل أبي من السيارة .... و أمسكه من ياقة قميصه ... أرعبه حتى وصلت روحه الحلقوم ... وكانت إنتصار مشدوهة ... هدده بأنه إن إقترب منها مرة أخرى فسيبلغ عنه الشرطة .... و قال إن لديه شريطاً يصوره و هو يراودها عن نفسها !

خاف الرجل على نفسه ..... ففي تبليغ الشرطة فقدانه لوظيفته " شرطي " !
..... و ذلة لا توصف ... فأطلق ساقيه للريح .... وصارت إنتصار لا تنظر وقاحته بعد ذاك !

بعدها ذهبوا لبيت إنتصار ... وأخبر أبو عبد الله أباها عما جرى ....... وطمأنه إلى أنه تولى أمره !

كانت زهراء تضحك فرحة ........ مما جعلني استبشر بما قالته .... و أزيل الهم و الكدر من خاطري .. استطردت و البشر يطفح على لغتها و حديثها .... سنأخذ إنتصار كل يوم من و إلى بيتها .... فذلك أكثر أماناً لها ....!

إنتهت المرحلة الإعدادية بخير ... و قفزت إنتصار معنا للمرحلة الثانوية التي لم تكن لتحلم يوماً بالإنتقال لها ...

كانت عيناها غريقتان بدمع الفرح عندما إستلمت شهادتها ...

إحتضتنتي .... و لما جاءت زهراء و إلتم شملنا ... بكينا و الفرحة تبخر صدورنا ...

فجأة صمتت إنتصار و ذكرتنا أنها ستدخل القسم الأدبي ... و نحن متجهات أنا و زهراء للقسم العلمي ... لكنها كانت واثقة أننا لن نبتعد عنها ... لن نفترق أبداً ما دامت الحياة وردة نشمها ثلاثاً !

مضت العطلة ثقيلة .. ثقيلة .... فللرتابة أي كانت وقع الملل ... صحيح إنني كنت أراهما ... و لكن فرق بين رؤية تتخللها الأيام ...و ربما الأسابيع .. و بين رؤيتهن معظم ساعات يومي ...
و لما حضرنا أول يوم بالمدرسة كانت إنتصار فراشة تحلق بالقلوب .. وبسمتها الـ ــتخفق سعادة و حبوراً جعلتنا نفقأ ضجر الغياب ...

مضت الأيام .. و يبدو أن إنتصار دهمتها مصاعب الدراسة ... فصارت ضائعة لا من معين و لا مغيث .... و هي التي لطالما عانت من ضعف باللغة الإنجليزية ... هذا وقد كانت تدرس منهجاً واحداً فما بالكم بكتابين أو ثلاثة ؟ ... كنا نشرح لها ما استطعنا و لكن أساس لغتها الإنجليزية كان ضعيفاً .....!

جالسة على السلم الخالي إلا منها ... وجدتها محنية رأسها باكية بصمت ...!

ما بك يا إنتصار .. أجابت بعد أن هبت محتضنة إياي ... رسبت في الإنجليزي ... رسبت .....!

قلت لها و بوجهي صار الأسى ظاهراً ... لديك ِ الفصل الثاني ... و ستقدمين المادة بإعادة المواد .... صمتت ... ثم ابتسمت و هي تقول ... ليست أول مرة .....!

ثم استطردت سائلة إياي ... ألم تري زهراء ؟

أجبتها بالنفي .... فأعادت الإستفهام عن نتيجتي .. مجموعي قد هبط قليلاً ......!

أخذنا نتحدث عن الدرجات .. و عن ما كنا نتوقعه قبل أن نراها .. وإذا بزهراء تصرخ صرخة ضاحكة ... و هي تقفز بيننا ... رأتنا فقامت بالصعود من سلم آخر و جاءت لكي ترعبنا !

قالت اإنتصار ... قفز قلبي من مكانه بقفزتك أيتها المعتوهة ... دائماً تحبين أن تدخلي علينا كالأفلام ... فجأة ..!

ضحكت زهراء ضحكة المنتصرة .. ثم سحبت شهادتي من يدي كاللص .. و أخذت تقرأها بصوت عال .. اللغة العربية ....... التربية الإسلامية .... الجغرافيا الطبيعة ......................... ...............الخ ..

عندها اغتنمت انتصار فرصة انشغالها بشهادتي و اخذت شهادتها بهدوء من حضنها .. قائلة : واحدة بواحدة ..

هدأ جنوننا قليلاً فأخذنا نقارن بين الدرجات ... ونذكر بعضنا بمستوياتنا في الأعمال الدراسية ... و إمتحانات المنتصف ...

نظرت لعيني انتصار ورغم بسمتها التي شقت ثغرها إلا إن قلبي و حدسي شعرا أنها مستاءة من شئ ...!

بعدها ودعنا بعضنا .... و كلٌ تتمنى أن نلتقي خلال هذه العطلة التي ستمتد شهراً تقريباً...

بعد يومين فقط من إستلامنا النتائج ... اتصلت زهراء ضحى .. مودعة إياي .. إنها متجهة للعمرة بعد قليل .... تهيأت لها أسباب السفر اليوم ... مررت على إنتصار دون أن أتصل لها ... و لما ذهبت خرجت لي أختها هاجر ... بنت صغيرة حلوة مرحة .. و قبل أن تدخلني لإنتصار .. إستوقفتني بزاوية ... إنتصار ليست على ما يرام .. أنتم تعرفونها أكثر مني .. طمأنوني عليها .. هل هناك ما يكدر خاطرها في البيت؟ ... هل عادت المشكلة التي كانت تؤرقها ؟
... قلت لمجرد طمأنتها .. ربما كانت الشهادة هي السبب ...

نطقت و في حلقها غصة ... الشهادات .. أتصدقين ... هي تبكي نائمة ... تبكي لدرجة النحيب ... و هي نائمة !

سألتها .. أين هي الآن ... سارت آمرة إياي بالمسير خلفها ... حتى وصلت حوضاً صغيراً كانت جالسة فيه إنتصار .. مديرة ظهرها عنا و هي تغسل ما تبقى من أكواب الفطور... غادرت هاجر بصمت .. ومشيت أنا بهدوء .. حتى أفاجئها .. و ما بان وجهها حتى ظهر لي أنها تبكي .... تبكي بصمت .. والدموع تسيل على وجنتيها ثم تسقط على كفيها البليلتان بالماء و الصابون !

جلست بجانبها نصف جلسة .. واحتضنتها .. و لأول وهلة عرفتني فيها أخذت وتيرة بكائها تزيد ...

قلت لها ودمعتي جارية .. حبيبتي إنتصار .. قومي .. أدميتِ قلبي ببكاءك ... غسلت يديها .. و وقفت ... دخلنا المطبخ ... وجلسنا قريبتين من بعضنا .. كان جسمها هزيلاً .. وإمارات الضعف غير خافية عليَ ..

سألتني دون مواربة .... وبدا جلياً أنها تريد تغيير الموضوع ... فقلت .. كنت مارة عليك لنزور زهراء ... ستسافر اليوم للعمرة !

ابتسمت ... و قالت و الشوق صاغ بعينيها حزناً له لون آخر ...إتصلت لي أيضاً ... يبدو أنني لن أزور بيت الله و لو مرة في حياتي ..

قاطعتها ... قائلة .. يا إنتصار لا تقطعي الأمل .. ولا تيأسي من روح الله .... توسلي بأهل البيت فإنه ما خاب من توسل بهم ...

صمتت و بدت إبتسامتها رغم حزنها ... رائعة ..

وقفت ... ثم أشارت للساعة .. الآن الساعة الحادية عشر إلا ربعاً .. نستطيع أن نصل لبيت زهراء في عشر دقائق ...سأتجهز للذهاب ... لحيظات و أنا عائدة ..

ما أحببت ثنيها عن المضي .... لأعرف ما جعلها لا تنكف الدمع إلا قليلاً !

عادت و في يدها ثوب لها ... تريد من زهراء أن تباركه ... ببركات الأماكن التي ستزورها ...
مشينا عجلتين و كنا نتحدث حول زهراء وسفرها و ما أخبرتنيه و ما أخبرتها ...

و لما وصلنا ... نسينا كل شئ ... أخذت زهراء تضحكنا بفكاهتها ...

وصرنا نتمازح و كأن لم يكن ...

لم يكن من المستحسن أن أحدث إنتصار بما كان يبكيها عندئذٍ.... فقد كانت زهراء فرحة لأن الله كتبها من السعداء برؤية بيته بين ليلة وضحاها ..

لما خرجنا ... فاتحت إنتصار بما في قلبي ... قلتها فجأة وكأنها كانت مخبأة .. بحق الأيام التي جمعتنا أخبريني ما بكِ .. لا تقولي لا شئ ... فأنا أعرفك جيداً ... هل هناك ما يكدر خاطرك ..؟

نظرت للسماء .. و قالت : النتائج المدرسية ..

غيرها ما يكدر خاطرك ... لست كأي أحد بالنسبة لي و أعرف أن لون هذا الحزن مختلف في عينيك ..

صمتت ... و فجرتها بوجهي متجهمة ... سأتزوج !

صدمني ما قالت ... تتزوجين ؟؟

قلتها و أنا فاغرة فاهي على آخره ..

قالت بلهجة صارمة إستغربتها منها .. فلنؤجل الحديث بهذا الموضوع .. أجلته بصمتي ...

خطواتي كانت كيسة كعادتها ...
ثقيلة بما قالته إنتصار ..

و لما وصلنا جلست و إياي ,, ودون أن أسألها ..جرت الكلمات كسيل من فمها ...

هو شاب صغير متدين .. في بداية تكوين حياته ... إسمه " غريب "...
ياله من إسم غريب ... لكنه يُنادى قاسم ..

صمتَت .. فانطلق السؤال مني حائراً ..
أأنت جادة بما تقولين ....؟ هل هو كذلك .. أم لأنك تريدين الزواج ..

عرفت ما أعني .. فأجابت عليه ... يا عزيزتي .. الزواج كخيار أقرب إليً من أي خيار آخر .. تعلمين وضعي بالدراسة جيداً ...أمر آخر .. قالت هذا و تنهدت ... ثم أكملت قولها .. زواجي سيزيح حملاً عن كاهل أبي ... فللمدرسة مصاريف ... كما إنني سأحمي نفسي من أولئك الذين يرونني لقمة سائغة لهم .. سأحاول أن أكمل ما استطعت من مراحل الدراسة في مرحلة الخطوبة !

كادت دمعتي تسقط لولا إنني مسحتها خفية .. انتصار ... الموضوع لا يحتاج لمجرد تفكير بسيط ... يحتاج لتمحيص شديد ... فلا تختاري إلا بعد يقين ..
هذا الأمر سيحكم مجرى حياتك كله ..

قالت و البسمة بد على شفتيها ..
انه إختيار صائب إن شاء الله .. خالتي هي من إختارتني له ... ؛ هي زوجة عمه ..
قاسم من الشباب الصالحين .. لولا إنه ..
ثم صمتت و بان الضجر الذي كانت تخفيه ...

استفهمت .. فقالت ... لولا أن أمه قاسية بعض الشئ ..و تريده أن يتخلى عن إلتزامه ...

ابتسمت قائلة : هكذا هي الدنيا .. لا شئ بها كامل .. كل سعادة لها ضريبة ..
أتمنى لكِ التوفيق .. ولكن أن أرجو أن تعيدي التفكير قبل الإقدام على هذه الخطوة ..

دخلت هاجر وبيدها كأسي عصير ... و ضعتهما أمامي مبتسمة .. و وجهها القمر شعَّ ألقاً و بهجة ... كم أسعدها أن ترى إنتصار مبتسمة ..

ما أن خرجت حتى قلتُ و أنا أمدُ كفيَّ للكأس ... إنتصار .. ما الذي أبكاكِ إذاً ؟!

عندئذ غطت وجهها بكلتا يديها ضاحكة ... أبكي على أيامنا معاً ... أبكي على كل زاوية إقتسمت معي الحياة هنا .. و أبكي لهاجر .. صحيح أن خالتي أخبرته أن البيت لن يستغن ِ عن وجودي بين فترة و أخرى ... لكن هاجر ستتحمل المسؤولية الأكبر .. ولا أخفيكِ بأنني أشعر أنها ستعجز عن ذلك ...!

أخذت أحادثها محاولةً التصديق ..

حدثتني عنه ... شاب بسيط في حياته ... متواضع بين الناس ... لم يكمل تعليمه رغم أنه ذكي بسبب أيام الانتفاضة ... ما بدا جلياً أنه حاز على رضاها !

عندما عدتُ كان الأذان ينطلق صداحاً فأسرعت لعلــَّي أصل البيت قبل أن يحرقني وهيج الشمس !

بعد أسبوع عادت زهراء ... و كان أن أخبرتها في الهاتف بما جرى فضحكت .. وأخذت تغني ..!

توقعت زهراء أن أتحمس مثلها ... بيد أني لم أزل غير مصدقة ... غير مستوعبة ..
جاءتني زهراء عصراً ... و كنت قد نويت زيارتها ... فسبقتني بذلك ..
كانت فرحة لدرجة أنها كادت تغني .. وتزغرد ..

وضعتُ يدي على جبيني و أنا أقول .. لا يأخذنكِ الحماس من الآن ..
ثم زفرتُ زفرةً عميقة قائلة ... يا رباه !

هدأ ضجيجها ..
أتعلمين إنني أحسست بذلك ... حلمتُ في مكة أنها إشترت نعلاً جديداً ...!
لن نمنعها مما تريد .. هذه حياتها .. لا تقولي الدراسة ..
كيف تدرس وهذه الهموم فوق كتفيها .... إن ظلت تدرس فلن تستطيع إكمال الدراسة إلا بعمر متأخر .. عمرها الآن عشرين سنة .. و إن أكملتها فماذا سيكون؟ أكملت بتهكم ..... تنتظر إبن الحلال ؟ أم تدرس في جامعات أوكسفورد !

زجرتها .. زهراء .. ليس من العدل قول هذا ...
هزت رأسها : إنتصار عزيزة عليكِ كما هي عزيزة عليكِ ..
أنا فقط أريد قول أمر واحد .. هذا الزواج مكلل بالنجاح إن شاء الله ..
كلي كان ناطقٌ بهذا القول .. أخاف أن تكون متسرعة !
كانت زهراء محقة عندما قالت .. إنتصار ربت إخوتها ... و تعرفينها جيداً هي واعية بما تختار ..
كتب الله ما فيه الخير ...
قلتها .. و أنا أحاول أن لا أقلق على إنتصار ..


في آخر عطلة " الربيع " كانت خطوبتها ..
لما ذهبت و زهراء لإعطائها باقة الورد التي ستحملها ..
كُدتُ أموت و أنا أراها ..
جميلة هي! بجمال قلبها ..

احتضنتها فبكت .. مسحت دموعها بمنديل قبل أن تسيل معه زينتها ... و مسحت دموعي الجاريات دون إرادة مني و أنا ضاحكة ..
بعدها عانقت زهراء ... لكن زهراء غلبت الدمع بعبثها في شعر إنتصار..

قالت مازحة .. كيف صار جبل الدخان فوق رأسكِ ..؟

ضربتها فوق يدها مازحة ... ألا تكفين عن جنونك حتى اليوم ..

لم تكد تنتهي يدها من العبث بشعر إنتصار حتى إنتهت إلى نهايات شعري ... يا له من شلال طويل .. !

قالتها و أخذت تقهقه ..

فردت عليها إنتصار و هي تكاد تختنق ضحكاً .. لو كنت تملكين شعراً لما فعلت هذا بنا .... حسرتك تدفعك لهذا !

هزت رأسها ... ذو الشعر القصير ... و قالت كما تقول أبداً ... لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ... أنتن تملكن لحى و لكن من نوع آخر .. و أخذت تعبث بشعرها باسمة ..

جلست و إياهن ... أنا و زهراء ننتظر أبي ..
و إنتصار تنتظر ذلك العريس .. الذي اختطفها على حين غرة ..

دعوت الله صادقة... فلتباركهما ..
.. إنزويت و زهراء بعدها في زاوية من زوايا المأتم ..
مضت ليلة سريعة كحلم ...

بين زغراد زهراء المستحيي و بسمة إنتصار كنتُ ماكثة ..

مضت الأيام و أنا وزهراء في شوق لرؤية إنتصار .... أو حتى سماع صوتها ....لكننا كنا نستحيي من أن نتصل لها فربما كانت منشغلة ...

عدنا للمدرسة ...و كانت سعادة لا توصف عندما وجدنا إنتصار هناك ..
عادت وعدنا ..
هكذا قلت لنفسي ... لكن كان للأيام قولٌ آخر !
لم تأت في الفسحة معنا ...
جلست مع فتيات ماجنات خليعات ..
لا يمسكن إلا بعابث المجلات ...

مضت الأيام و أنا و زهراء نسلم على زهراء نسلم على إنتصار و الدهشة تملئ أعيننا .. لم نكن نحادثها إلا لمماً ..إلا أن أتت بين الحصص .. وكانت زهراء خارجاً ... فبعثت إحدى الزميلات لتعود فعادت !

رباب أخت قاسم التي هي إحدى تلك الفتيات .. تجرها لتلك الثلة .... و قاسم يرفض أن تتحدث معها أو مع أي من أخواته ... كلهن لا يوافقنه و مبادئه ..

كنا صامتات نستمع لها .... وكلٌ تطالع الأخرى ...

دخلت المعلمة فقامت إنتصار و في عينيها بريق الدموع ... يبدو أن حديثها لم ينتهِ ...

إبتسمتُ لها مهونة عليها الأمر ... سنمرُ عليكِ في بداية الفسحة ..

انفرجت أساريرها عن بسمة راحة و هي مهرولة لصفها ...

بدأت المعلمة الشرح ... و ككل دروس الفيزياء .. أخذت أكتب الشعر بين صفحات الكتاب ... و أنقش أبياتاً عن الثورة ... و العشق ... والذكريات ... و زهراء تقرص ذراعي كي انتبه للدرس ...

رغم أنها أحياناً تقرص ذراعي مازحة .. أو تدغدغني في دعوة منها لي للحديث .. أو لتبادل قصاصات ورد فيها إسم إنتصار كثيراً ... تلك التي أبقينا و سنبقي لها حضوراً بيننا ..
عدنا كما كنا .. إنتصار و نحن ..

تعللنا بدايةً بأننا نشرح لها ما صعب من دروس اللغة الإنجليزية ... وصارت حيلة يومية نمارسها .. وكنا حقاً نشرح ما صعُبَ عليها من دروس .. ونحضر معها ... و بما تحادثنا بالإنجليزية أحياناً لنمرن ألسنتنا على الإعوجاج ..

صار لإنتصار الفرح رفيقاً ...لا تخنقها العبرة كما كانت ... فقاسم غدا مصدر سعادة لها ..
كانت تحبه بشدة ... رغم عدم مضي فترة طويلة على عقد قرانهما ..!

أقبل آخر أسبوع دراسي ... و ستتوالى بعده الامتحانات متفرقة ..
يبدو على وجه إنتصار شئ من ضعف ..
قالتها بينما كنا نحل إحدى مسائل الرياضيات العويصة ...
سأتزوج بعد الإمتحانات ..
و سأكمل الدراسة منزلياً ..
بلهجة لا تخلو من إستغراب ... قالت زهراء .. أما كنت تقولين أنكِ ستكملين ... ما الذي غير رأيكِ ...
أجابت إنتصار و هي تحني رأسها خجلاً ... سأصبح أماً ...
عندها تبادلت و زهراء النظرات .. كلٌ تحاول أن لا تسقط الأوراق التي بيديها ... ليس حرام ما كان ... فبينهما عقد شرعي .,.. لكن ألسنة لا ترحم ..!
قالت زهراء .. على الأقل أكملي هذا الفصل بأداء الامتحانات ...
ابتسمت انتصار خجلة ... كانت تحس بالعار ...
قالت بلهجة منكسرة ... سأكملها إن شاء الله ..
أخذت زهراء تسألها عن ما ستفعله في الزواج .. وبدا لي أن زهراء كانت تبطن اللوم لإنتصار ... وتعتب بشكل غير مباشر عليها ..!
لما نظرت إليَ إنتصار ...
ابتسمت عاضة شفتي السفلى ... محاولة التهوين عليها ... و الأكثر محاولة التصديق ..!

لم يمض يومين حتى نادتها المشرفة .. وقرعتها ...!

و لم تكذب انتصار ... أجابتها باختصار و هدوء ... و تمنت أن تتركها تكمل الامتحانات على الأقل !

خرجت و بيدها ورقة الفصل من المدرسة ...

عندما ذهبنا لصفها كان هذا ما أخبرتنا به زميلتها .. ذهبت للمشرفة ...

انتظرناها في البقعة التي تعودنا المكوث فيها ...

بكت على كتفي حاملة حقيبتها ..

يا لظلم المجتمع .. يقدس العرف و العادات ... و يدوس على حكم الدين ..!

بعدها ذهبت لإحدى المدرسات التي يقربن لي .... و طلبت منها أن تسمح لي ببعث رسالة ضرورية من هاتفها فلم تمانع ...

بعثت انتصار رسالة نصية لقاسم تطلب فيها منه إن يأتي لها .. لم يكن الدوام قد انتهى ...
ودعناها ... فخرجت له ... لتقول كما قالتها أبداً .. الشكوى لله ...!

بقيت زهراء طوال الحصص الــ ـبقين نتقلب على جمر القلق ...

و عندما عدت وجدت أمي تخبرني أن انتصار تطلبني في الهاتف ... بدا صوتها مبحوحاً ... لكنها كانت تتحدث برباطة جأش و شجاعة .. سنتزوج الأسبوع القادم .. سيكون الزواج مستعجلاً !

قلت و يدي ترتجف .. عسى أن تكرهوا شيئاً و هو خير لكم ..

استأذنتها بعد حديث قصير لأصلي ..

عصراً اتصلت لي زهراء .. كنا نعيش صدمة ما جرى ... و نستغرب صبر انتصار ...!

بعد إسبوع حضرنا ذاك الزفاف الصغير ..

كانت جميلة رغم بساطتها ... لم نمكث طويلاً فالامتحانات قادمة .. و يجب أن تبدأ جداول المراجعة ...

كنا نتصل لها بين فينة و أخرى ...و تيقنت بلحظات عديدة .. أنها أسعد ما يكون ...!
مضت أيام الامتحانات .. و كنت قد قررت و زهراء أن نزورها بختامها ... و نقدم لها هدايا الزواج ..

زرناها .. وكانت منفرجة الأسارير .. مشرقة الوجه .. رغم ما أضناها من ضنك رموه عليها اللئام ..!

كانت تعيش ببيت العائلة ... بغرفة صغيرة تضمهما .. ولها باب يصلها بالغرفة من الفناء ..
فجأة فترت ابتسامتها ... و كأنها تذكرت شيئاً ..

قالت بغصة ... أتدرون من التي قالت للمشرفة ... !

صمتنا منتظرتين الجواب ..
إنها رباب .. أخت قاسم ... سمعتها بإذني تتشدق بذلك أمام خالتها ...!

قالت زهراء مبتسمة .. لا عجب إذا أنه لا يود أن تخالطيهم ...

ابتسمت انتصار .. أعيش معهم ببيت واحد و لا أختلط بهم ... مستحيل .. يومي كله بالمطبخ ... و أنا من تقوم بأعمال المنزل ... ,, أحاول عدم الإحتكاك بهم .. على الأقل أمامه ... و لكن هذا من الصعوبة بمكان ...

دار الحديث كخوالي الأيام ... و الفرحة و الإرتياح بدت على وجوهنا ..

ودعناها و كلنا أمنياتٌ أن تدوم سعادتها ..مذاك لم نزرها إلا قليلاً ... فالحياة شغلتنا بمشاغلها ... لكن قلوبنا لا زالت كما هي ... عندما نلتقي نفهم ما يجري في حدقتي إحدانا من فرحة أو ضجر !

أنجبت فتاة ... ستكمل الآن ثمانية أشهر ... تشبهها كثيراً ...

لها الضحكة الهادئة نفسها .. والوجه الأسمر الصغير ... ولها محبة في قلوبنا مأخوذة من محبتنا لأمها ..

تقول زهراء التي لم تملك أختاً .. كنتنَ لي الأخوات .. وربما أكثر من أخوات ...

أنظر لصورة هدى إبنة إنتصار و تغمرني الفرحة ... أصبحت خالة !
ربما افترقت أجسادنا .. و ربما ستفترق أكثر ..

لكن المحبة لانتصار وزهراء ظلت و ستظل باقية بقلبي ....
و لهن الدعوات صاعدة مني أبداً للسماء بكل خير !

:)

... تمت بعون الله في 21 /7 /2005م



في08,تشرين الثاني,2007  -  03:15 مساءً, zahraalmakabis كتبها ...


قلبي اصيل وماضي الحب ماانساه
والصاحب الغالي تشيله عيوني
اشتاق له واشفق لصوته وطرياه
واقول هو دنياي وشموع كوني
رفيق دربي ماتناسيت ذكراه
لو العرب في رفقته يعذلوني

أهدي اجمل واخلص امنياتي مع احر شوقي
زهراء المكابيس

في09,تشرين الثاني,2007  -  12:26 صباحاً, زينب الليث كتبها ...

زهرائي !

أبكيتني و أنا باكية ..
كلما تعثرت في الدروب أتذكركن ، في كل ممر في حياتي اجدكن تتلقفنني عندما أسقط في براثن الحزن ...

كنت في ظهيرة هذا اليوم فقط أتساءل في داخلي ..
يا ترى أي طريق يحتضن زهرتي العطرة .. ما أحوالها و خالتي الحبيبة ؟
و أفجأ بكِ تعبرين أروقتي ,,,,!

رفيقتي الغالية ...
قبليكِ عني .. و بلغي الأحبة .. سلامي و محبتي ..

في06,كانون الثاني,2008  -  05:32 مساءً, مجتبى عبدالمحسن كتبها ... (غير موثّق)

ألتذ بعاصفة السرد... بالتفاصيلِ تتضوع عبقاً... تفتح شبابيك القلب... تلم الضحكات وتذوبها في فنجان الوصف...

بين شوكة الانكسار... وجسد الصفاء... تفاحةٌ تتحمم بضوء الشمس...

أقل ما يمكنني أن أستخلصه من هذه اللوحات: حيوية الإخلاص... ارتجافات ودفقات.. ليست سوى ذكرى ناعمة لرفيقات جميلات...

ربما لا أقوى على النطق الآن... سأهيئ الحطب لحرائق شهية لم تحِن بعد...

في29,كانون الثاني,2008  -  01:15 مساءً, الإعلامي حسن السلطان كتبها ...

ذكرتيني بالماضي

عندما كنا اطفال .....
الحياة حلوة
الحقد ميت
الأبتسامة لها طعم
الصداقة رائعة

عندما كنا أطفال

لن يعود الزمان

في16,شباط,2008  -  11:57 مساءً, زينب الليث كتبها ...

أتذوق كل حرفٍ تكتبه يا مجتبى ..
و يظل عالقاً هذا الطعم في حواسي ..

كلما سردت شياً سأتذكر إنه ثمة ما هو عصي على السرد ..
سأتذكر إن حبكَ لا يدرك .. و لا يستوعب بحيز .. أو مكان ..!

أفنى فيكَ .. و أحيا ..

في16,شباط,2008  -  11:59 مساءً, زينب الليث كتبها ...

الفاضل حسن السلطان ..
الحياة حلوة بس نفهمها .. كما يقول الطوشي ..
نستطيع العيش بقلوب أطفال .. إنما يجب أن نكون أكثر نضجاً ..

:)
فليدم عطر حضورك ..
تحياتي