ككل يوم مدرسة أول .. اختارت كل طالبة مقعدها … وكنت في العمود الثالث ..
طبيعتي الاجتماعية لم تتأن في التعرف على زميلاتي ، أخذت أجاذبهن أطراف الحديث … ولكن بخجل و حياء !
جالستان ورائي … بشاشتهما جعلتني أستطيب الحديث معهما .. كانتا طيبتان لحد لا يصدق !
كان أول يوم لي في الإعدادية …
خرجنا معاً تلقائياً وقتَ الفسحة .. وكأننا قررنا أن نكون صحبة بدءاً من هذا اليوم !
كنا صادقات مع بعضنا .. ككتاب مفتوح أخذت أحدثهن …. أحياناً تلتقي الأجزاء النقية … فتكون وحدةً نقية
!
نسينا أن نأكل في غمرة أحاديثنا المترعة بالفرحة و نشوة من وجد ضالته بعد عناء و كَبد !
لكن الجوع أبرحنا … في آخر حصص الدوام المدرسي وتمنينا لو كنا أكلنا و لو القليل …
في اليوم التالي ذهبنا للمقصف سراعاً …. و لما طلبت منهن أن أشتري لهن أنا .. فلا داعي لأن ندخل كلنا … ، قالت انتصار وهي تحمر خجلة : لا سأشتري أنا … ألححت : فأعطتني نقودها و كذلك زهراء !
لم يكن ما أعطتنيه انتصار كثيراً ..
لذا كانت خجلة … سألتها ما تريدين فأجابت … قلتُ ضاحكة : وأنا كذلك ، كنت أريد التهوين عليها ، فلا شئ بيننا يستحق الخجل … نظرت لي زهراء مبتسمة ورددت ما قلت !
اتحدنا نحن الثلاث مع مر الأيام عرفت كل شئ عنهن وعرفن كل شئ عني ….. كبرنا معاً … ونحن نقتسم الفرحة و حتى الوجع !
إيــــه …. لازلت أتذكر كل لحظة أمضيناها في العراك والنقاش والضحك حتى الإستلقاء على القفا … كل لحظة أمضيناها في البكاء من قهر الضغط الدراسي معاً و كأننا نقيم مأتماً …!
كانت إنتصار كالزهرة بيننا كما كانت لإخوتها …. تعرضت أمها لحادث أعاقها و أقعدها .. وكانت انتصار المنقذة … تطبخ الإفطار و الغداء قبل أن تأتي للمدرسة وكم كانت تأتي متأخرة أحياناً … ثم تعود لتغسل الثياب والأواني … و تكمل ما تبقى من كي ….. و ترتيب الثياب …………و ربما ساعدها أبوها و أخوتها في شئ من ذلك !
كنا نعلم أنها لا تكتب كل واجباتها لهذا …. و كنا نعلم أن الذي جعلها تخسر سني عمرها في إعادة سني الدراسة التي خفقت فيها .. ولولا ذلك لكانت على مشارف الإنتهاء من المرحلة الثانوية !
أصبحنا نعي بعضنا جيداً .. نعي البسمة التي تخرج صادقة من ثغر إحدانا …. كما نعي البسمة التي تخرج مجاملة لا غير …. نعرف إن كان هناك ما يعتلج في صدر واحدة منا ….!
أصبحت أسرهم أيضاً قريبة مني .. فلأجل عين تكرم ألف عين ….!
مضت أيام الإعدادية سريعة الخطى … ربما لأننا أحببناها لوجودنا في انصهار نادر يسمى الصداقة الحقة ، كنا نساعد انتصار بقدر ما نستطيع .. وكانت هي تتحمس للبذل من أجلها .. ومن أجل بقائنا معاً … !
وصلنا للثالث الإعدادي المرحلة التي تؤهلنا لدخول عتبات الثانوية …. كنت أرى في عيني إنتصار سحابة أسى … وكانت زهراء تستشعر ذلك معي … لم نكن نعلم ما سبب ذلك … وقررنا أن نتركها هي من تتكلم متى بدا لها ذلك …
لم تكن لتقول ما كان بها …. لولا أننا رأيناها تمسح دمعة من عينها و هي تلبس عبائتها عند إنتهاء الدوام المدرسي … اتجهت نحوها و قلبي مضطرب … أتبكين يا إنتصار ؟
… تبسمت … قالت زهراء الواقفة بجانبها : انتصار ليس هنالك ما يستحق دمعاتك فسقطت دمعة غزيرة سرعان ما مسحتها بمنديل …. كدت أبكي .. أعلم أن هناك سر يجعلها تبكي … رغم كل شئ حاق بها هي صابرة …. و الآن تسقط دمعتها غزيرة دون أن نعلم ما بها ، لن تبكي إلا لأمر فاق قدرتها على الإحتمال والتصبر !
نظرت إليَ زهراء نظرة أعرف ما تعنيها … فلنأخذها خارجاً .. فليس الصف مناسباً للحديث معها …
لبست عبائتي وخرجنا نحن الثلاث .. كلٌ تحمل حقيبتها و هَمَاً كان لإنتصار …!
وقفنا صامتات عند الدرج .. وكأن على رؤوسنا الطير ….، زهراء و أنا ننظر لها …. ننتظر أن تقطع صمتنا … تسكن روع نفوسنا …
لم تتحدث بل راحت في بكاء شديد قطع نياط قلبي …
جلسنا تحت سقف الدرج .. وأخذنا نحاول أن نعرف ما أصابها … فجأة هدأ بكاءها و أمسكت يدي وشدت عليها …. و أمسكت باليد الأخرى كف زهراء … بدا جلياً أنها ترتجف … نطقت زهراء بابتسامة حزينة : انتصار .. ما بالك تبكين ؟ أنت الأقوى بيننا … وتبكين هل لنا أن نعرف ما بك …
ابتسمت وعيناها غارقتان ببحر من شجن .. قالت محاولة الوقوف : لاحقاً أخبركم … لم تستطع الوقوف فسقطت … أخذت تبكي بصوت أنين لا يفتأ يشق عباب ذاكرتي … تشنجت قدماها …. فقلبها كان ضعيفاً و هذا يؤثر على دورتها الدموية … ذهبت زهراء لإستدعاء المشرفة .. فلربما تمكنت من إسعافها …. لم يكن هنالك أحد فقد خرجت المشرفة بعد انتهاء دوام عملها …
حملناها و بعض الزميلات لسيارة والد زهراء .. وأوصلتها إلى بيتها ….!
و دعتهم و كلي لديهم …. أخذت أرجو الله إن لا يكون مكروهاً قد مسها ….!
وصلت البيت مثقلة القلب … مصدعة الرأس .. واهنة الخطى …
صليت فريضتي و أنا باكية … باكية لروح نقية طاهرة … إختارها الله للبلاء …. ربي فلتساعدها .. و لنكن نحن يد عونك !
لم أطق تذوق لقمة لما في فؤادي من غم وحزن شديد .. حتى انني لم أغير زي المدرسة لفرط إنشغال بالي …
جلست فوق طاولة غرفتي … مستندة على الجدار الذي تجاوره … وعيناي تنظران للبعيد …. بعد بيوتات القرية تكمن هناك عزيزتي إنتصار …. رن جرس الهاتف … فهرعت تلقائياً له وكأن جنٌ مسني ..!
ياللأسف … لم تكن تلك المكالمة لي بل لأخي … ما أن أغلق أخي الهاتف .. حتى عاود الرنين .. عدت أنا كذلك بهدوء أكبر .. كانت زهراء …. سلمت علي ثم صمتت …سألتها عن حال انتصار ، أجابت أنها لا تدري … ثم أضافت … اتصلت الآن لها و قالوا أنها في المشفى … فهي بحاجة لكمية " دم " قد تصل لكيسين …هذا ما قالته أمها لي … قلت و كأنني أحادثها كما أحادث نفسي ما الذي جعل صحتها تتدهور هكذا … ؟
أجابت و كنت أضمر كا تقول في نفسي .. صحتها تدهورت لــُملِمة ألمت بروحها .. ولكن ما هي .. الله يعلم بها وحده ….!
ليتني أملك من يقلني لها … لم تكن زهراء تتمكن لنفس السبب من الذهاب إليها فدوام أبيها يتعارض مع أوقات الزيارة …. لو كانت إحدانا تملك وسيلة الذهاب لإنتصار لتمكننا معاً !
كنت وزهراء نتحادث طويلاً .. والحزن والقهر يملأ أرواحنا …. و أحياناً نتصل لمنزلها .. عسانا نجد ما يشفي القلق المستبد بقلوبنا .. لكن هيهات …. كانت تزيده هواجس أمها و ما تقول ….!
أخيراً في اليوم الخامس من مكوثها في المستشفى .. تمكننا من الذهاب … فوالد زهراء تمكن من أخذ رخصة خروج وقتية من العمل … وبعدها سيرجعنا خالي …!
حملت زهراء باقة ورد صنعتها بيديها من حديقة من منزلنا … وحملت قرآنا …. و بعض الشطائر لها … تقول أمها أن خالها و فاعل خير تبرعا لها بكمية الدم المطلوبة … وقد تحسنت حالتها الصحية كثيراً … لكنها فاقدة للشهية ..
كان قلبي يطير على جناح من شوق .. وأحسست أن زهراء تشاطرني الشعور … تشاطرنيه حقاً !
لما وصلنا كانت تنتظرنا فوالدها أخبرها أننا سنأتي .. كنا قد اتصلنا لنسأل عن رقم سريرها والجناح الذي ترقد فيه ..
لما التقت عيناها بمقدمنا استبشرت قسمات وجهها الأسمر الصغير .. احتضنتني بقوة .. ثم احتضنت زهراء ..
ثم قالت عاتبة : انتظرتكم طوال أربعة أيام … والآن تأتون حاملين كل شئ !
ضحكنا و كدت أنسى إنني قد قررت مع زهراء أن نعرف ما حاق بصفاء صبرها … وكدر قوة احتمالها !
فجأة .. جاء الممرضة …. قاطعة حديثنا : لقد قرر الدكتور أن حاجتك للبقاء في السرير إنتهت .. صمتت انتصار .. وتبدلت بسمتها لتقطيبة هادئة كروحها …!
ما أن خرجت الممرضة حتى خرجت أزف البشرى لأبي انتصار … انتصار حصلت على الرخصة … و لم أكمل جملتي حتى علا صراخ ونحيب .. أكملت ما كنت أقول لأبي انتصار الرجل الأشيب الذي ما ترك الزمن فيه قوة جسد ولا روح دون أن ألتفت للصوت الصادر من غرفة انتصار .. ففيه أخريات ترقدن على فراش الموت !
ما أن صمت حتى عرفت بكاء من هذا .. كانت تكرر باكية منتحبة لن أذهب للبيت ..!
دخلت الغرفة وورائي من كنت أحدث كانت عيناه مغرورقتين بالدمع ..
مِن غسل وجهها بالماء وقراءة آيات من الذكر الحكيم عليها … هدأت …. و لكن بدأ أباها بالبكاء بعدها … قال و تجاعيد وجهه الطيب بليلتان بدمع أحسبه حبسه لسنين طوال : ما بيدي حيلة يا ابنتي … حملناك المسؤولية صغيرة …. و حُملنا شظف العيش صغاراً و كباراً !
خرج ناحباً .. ونشيجه ذكرني بنشيج الميازيب في مواسم الإمطار !
عندها عادت انتصار لحالتها الهستيرية و أخذت تقول … ليس ذنبك يا أبي … أنه هو … يريد أن يشري عرضي بثمن بخس !
كانت إنتصار ترتجف و وجهها ينضح عذاباً … والكلمات الـ ـتخرج من بين شفتيها ضاعت وسط بكائها … عندما يجتمع النشيج مع الكلام … يصبح لغة يفهمها كل أحد !
هدأناها … فأخذت تبكي بصمت … حتى نامت لتعبها …. كانت عيناها النجلاوين الواسعتين مغمضتين بألم …
خرجنا بعدها من الغرفة ..لترتاح إنتصار …..و لعلنا نجد أباها ونرى ما حل عليه … وجدناه عند مقاعد المصاعد جالساً … واضعاً كفه على جبينه و عينيه ….
ناديته بنداء العمومة .. عمي … إنتصار لم تكن تقصد شيئاً .. أجاب و يده كما هي .. و ماذا تقصد إذا …؟
لم يكن قد سمع ما قالته مؤخراً …. أجبته ناظرة للوحة المصعد التي كانت توضح لي أنه ينزل للطابق الأرضي .. " لم نفهم ما قالته تحديداً .. لكنه شخص يسئ لها ممن يقرب لكم ربما …" …
صمت وفي عينيه ألف خلجة حزينة ….
ثم قال بهدوء .. والآن ..؟ لمَ تركتماها ..؟
أجبته بهدوء وابتسامة حزينة .. إنتصار نائمة …
أضافت زهراء : لم لا تأخذ أغراضها للمنزل .. وحين نعود سنأتي بها …
صمت و بدت في عينيه الموافقة .. ولكنني أحببت الإطمئنان لموافقته .. فقلت : ما تقول …. ؟
ف















